أبو نصر الفارابي

34

احصاء العلوم

ونصححه عند غيرنا بأن نخاطبه بأقاويل نفهّمه بها الأمور والمعقولات التي شأنها أن تصحح ذلك الرأي . وليس يمكن أن نصحح أي رأي اتفق بأي معقولات اتفقت ، ولا أن نوجد تلك المعقولات بأي عدد اتفق ، ولا بأي أحوال وتركيب وترتيب اتفق ، بل نحتاج في كل رأي نلتمس تصحيحه إلى أمور ومعقولات محددة ، وإلى أن يكون بعدد ما معلوم ، وعلى أحوال وتركيب أو ترتيب معلوم . وتلك ينبغي أن تكون لحال ألفاظها التي بها تكون العبارة عنها عند تصحيحها لدى غيرنا . فلذلك نضطر إلى قوانين تحوطنا في المعقولات وفي العبارة عنها ، وتحرسنا من الغلط فيهما . وكلا هاتين : أعني المعقولات والأقاويل التي بها تكون العبارة عنها ، يسميها القدماء « النطق والقول » . فيسمون المعقولات القول والنطق الداخل المركوز في النفس ، والذي يعبر به عنهما القول والنطق الخارج بالصوت ، والذي يصحح به الإنسان الرأي عند نفسه هو القول المركوز في النفس ، والذي به يصححه عند غيره هو القول الخارج بالصوت ، والقول الذي شأنه أن يصحح رأيا ما يسميه القدماء « القياس » ، كان قولا مركوزا في النفس أو خارجا بالصوت . علم المنطق والنحو فالمنطق يعطي القوانين التي سلف ذكرها في القوتين جميعا . وهو يشارك النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين الألفاظ ، ويفارقه في أن علم النحو إنما يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما ، وعلم المنطق